ختامًا، إعادة الحياة للجميع: الكوزميّة الروسية كمشروع تاريخ ثقافي

تقف نظرة الكوزميّة الروسية في مركز ثلاثية أفلام أنطون فيدوكله التي عرضت في أرجاء العالم. هذه الثلاثية تتعقب، أو لمزيد من الدقة، تعيد إحياء أفكار الكوزميّة في الفن، الهندسة والتصميم المعماري ما بعد السوفييتي. علماه ميكولينسكي تستعرض ظهور الأفلام في فضاء يتولى إدارته فنانون في تورنتو، وكذلك جسم البحث النظري الذي تطور حول هذا الموضوع في السنوات الأربع الأخيرة

انبثقت الكوزميّة الروسية في أواخر القرن الـ19 من داخل كتابات نيكولاي فيدوروف (Fedorov 1903-1829). هذا الكاتب الذي لفه النسيان ولم يحظ تقريبا بالظهور خلال سنوات حياته، يعاد إحياؤه في السنوات الأخيرة بفضل أنطون فيدوكله (Vidokle) وتعود بقوة "e-flux، منصة للنشر والتوثيق الأرشيفي، مشروع فنان، مبادرة وبرنامج قوامة" التي أسسها فيدوكله مع بعض الشركاء عام 1998.


On4A7467(S).jpg

"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في  - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19 تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet
"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19
تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet

 

 

كان بوريس جرويس (Groys) البروفيسور للدراسات السلافية والروسية في جامعة نيو يورك، هو من لفت انتباه فيدوكله إلى الكوزميّة الروسية، من خلال قصة تبدو أقرب الى الخيال العلمي منها الى التاريخ. فهو يروي أن قادة الحزب البلشفي أجروا تجارب تلقي وجبات دم من أجل الحفاظ على شبابهم. أثار هذا اهتمام فيدوكله وبادر بعدها بعدة سنوات إلى إحياء نصوص منسية وسط تحديد مسار الاثار التي تركتها في القرن العشرين والحادي والعشرين.1

لقد لخص فيدوكله الكوزميّة الروسية إلى حدود تصريح مقتضب: "حياة أبدية وإعادة إحياء للجميع"،2 وهي فكرة تعبر عن العلاقة ما بين الكوزميّة والماركسية، التي تتبدى في السعي الى التقسيم المتساوي للموارد، وكذلك أهداف الكوزميّة الأساسية وهي الحصول على حياة أبديّة في البداية وبعد ذلك إعادة احياء جميع أشكال الحياة منذ الأزل. وفقا لفيدوروف لن يكتمل النشوء والارتقاء إلى حين يُهزم الموت، وهي سيرورة لن تكتمل في يوم الآخرة المسيحي وإنما بوسائط بشرية مثل التكنولوجيا والعلم.3 يمكننا الحصول على حياة أبدية حين نقوم بتحويل أجسادنا إلى أجساد قادرة على استخلاص الطاقة من الشمس مباشرة (وبهذا نتخلص من الحاجة الى الاوكسجين أو استهلاك كائنات أخرى سواء كانت من الحيوانات أو النباتات).

 

ON4A7505(S).jpg

"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في  - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19 تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet
"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19
تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet

 

تقف الكوزميّة الروسية في مركز ثلاثية أفلام أنطون فيدوكله الذي عرضت في أرجاء العالم – هذا هو الكون(This Is Cosmos, 2014)، الشمس جلبت الثورة الشيوعية (The Communist Revolution Was Caused By The Sun، وحياة أبدية وعودة للحياة للجميع (Immortality and Resurrection for All!, 2017)، والتي شاهدتها حين عرضت في فضاء الفنانين YYZ Artists’ Outlet في تورنتو. تتعقب الثلاثية أفكار الكوزميّة في الفن، الهندسة والتصميم المعماري ما بعد السوفييتي. فيدوكله ليس من أنصار الكوزميّة لكنه يحدد مسار أو بالأحرى يعيد للحياة ما يرى أنه الحضور المتواصل لأفكار ورموز الكوزميّة – الشمس، حياة أبدية، رحلة في الفضاء – وهذا على الرغم من أن أنصار فيدوروف تعرضوا للنفي أو للإعدام ولف النسيان أفكاره تماما تقريبا. الأفلام بعضها وثائقية، وبعضها الاخر أفلام رحلات واستعادة للسردية التي جرت في أرجاء الاتحاد السوفييتي السابق وكلها مترافقة باقتباسات من فيدوروف التي يتلوها فيدوكله بصوته.

ON4A7474(S).jpg

"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في  - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19 تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet
"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19
تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet

 

تقف الكوزميّة الروسية في مركز ثلاثية أفلام أنطون فيدوكله الذي عرضت في أرجاء العالم – هذا هو الكون(This Is Cosmos, 2014)، الشمس جلبت الثورة الشيوعية (The Communist Revolution Was Caused By The Sun، وحياة أبدية وعودة للحياة للجميع (Immortality and Resurrection for All!, 2017)، والتي شاهدتها حين عرضت في فضاء الفنانين YYZ Artists’ Outlet في تورنتو. تتعقب الثلاثية أفكار الكوزميّة في الفن، الهندسة والتصميم المعماري ما بعد السوفييتي. فيدوكله ليس من أنصار الكوزميّة لكنه يحدد مسار أو بالأحرى يعيد للحياة ما يرى أنه الحضور المتواصل لأفكار ورموز الكوزميّة – الشمس، حياة أبدية، رحلة في الفضاء – وهذا على الرغم من أن أنصار فيدوروف تعرضوا للنفي أو للإعدام ولف النسيان أفكاره تماما تقريبا. الأفلام بعضها وثائقية، وبعضها الاخر أفلام رحلات واستعادة للسردية التي جرت في أرجاء الاتحاد السوفييتي السابق وكلها مترافقة باقتباسات من فيدوروف التي يتلوها فيدوكله بصوته.

 

This Is Cosmos – Anton Vidokle, with Boris Groys

هذا هو الكوزموس – أنطون فيدوكله الى جانب بوريس غرويس، عرض وحوار، يوم الجمعة، 10 نيسان 2015، فضاء الفنانين (Artist's Space)

 

إن مشروع فيدوكله ينتمي إلى عالم التاريخ الثقافي. الكوزميّة الروسية هي الموضوع المركزي في العدد الخاص لمجلة e-Flux Journal وموقع شبكي هادف، وكتاب MIT و e-Flux الذي صدر عام 2018 إذ ترجمت بعض نصوص الكوزميّة الأصلية، نصوص نشرت للمرة الأولى باللغة الروسية عام 2015 وأصدرها متحف كراج للفن المعاصر.4 (Garage Museum of Contemporary Art) لقد كان المشروع في مركز المعرض الذي عقد عام 2017 في برلين في -Haus der Kulturen der Welt. واختار بوريس جرويس أن يعرض ثلاثية فيدوكله ومعها عمل معاصر لأرسيني جيلييف (Zhilyaev) إلى جانب أعمال فناني الأفنجارد الروس التي تجسد أيضا بهذا القدر أو ذاك أفكار، فلسفة ورموز الكوزميّة. وعلاوة على ذلك، فبعد مؤتمر انعقد بموازاة المعرض في برلين نشرت دار شطرنبيرج مجلدا ضم مقالات لكتاب معاصرين عن الكوزميّة الروسية.5

إن فعل كشف كتابات فيدوروف ومحاولات فحص التأثير المستمر لأفكاره على امتداد التاريخ يذكر بالمبادرة التنقيحية التي انتشلت السوريالي المنشق جورج بتاييه (Bataille) من مجاهيل النسيان. فقد قامت مجلة Tel Quelالأدبية الفرنسية إعادة احياء بتاييه في سبعينيات القرن الماضي في الأطر الأكاديمية الناطقة بالفرنسية، وعندها في الثمانينيات والتسعينيات واصلت مجلة أكتوبر (October) التي كانت معادلة في التأثير والانتشار ل e-flux. بفضل هذه الجهود تغيرت مكانة بتاييه من شخصية منسية إلى مؤلفٍ قامت الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية باحتضانه واستذكاره بعمق.

هناك فرق واحد بين مشروعي إعادة الإحياء: إن أفكار بتاييه تحققت وما زالت تتحقق إلى جانب صيغة السوريالية كما وضعها أندريه بريتون (Breton) التي تفضل التسامي والخلاص. بالمقابل فإن كوزميّة فيدوروف مثلما يتم وصفها اليوم تقوم بإلغاء سرديات أخرى من الفترة ذاتها: القصص المعروفة عن الأفانجارد الروسي الذي شكل أداة لتطور وعي بلشفي جديد، أو الفن المحايث كرحلة نحو التجريد – فكلاهما قد ابتُلعا ضمن أفكار، رموز وميثولوجية الكوزميّة. فموتيف الشمس في أوبرا الانتصار على الشمس التي صممها ماليفيتش (Malevich)، يؤوَّل من خلف عدسات الرمزية الكوزميّة. وعلى نحو مشابه فإن نماذجه المعمارية المهيمنة تبدو كقواعد لمحطات فضاء. إن صورة أريك بولاتوف (Bulatov)، التي استخدمت في بوستر معرض "الانتصار على الشمس" في متحف إسرائيل في القدس، تقف في مركز مقال إضافي يتقصى مجددا موقع الكوزميّة ضمن الحركة المفهومية في موسكو.6  قد تم التركيز على الموضوع في القسم التاريخي بمعرص برلين، حيث تم فصل الأعمال عن سياقها التاريخي ووضعت في خدمة السردية الكوزميّة.7  وإذا كانت الكوزميّة الروسية تقترح "نوعا اخر تماما من الحداثة، فيما يتجاوز الجانب الصحيح او غير الصحيح للتاريخ، دون منتصرين أو ضحايا"،8  فإن المنظومة الثقافية المعاصرة التي تدفع بالكوزميّة الروسية للأمام، تمحو سرديات أخرى. 



0N4A7444(S).jpg

"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في  - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19 تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet
"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، منظر إنشاء في - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19
تصوير: ألون كوسمياك، بلطف YYZ Artists’ Outlet

 

إن فرضية وجود الكوزميّة في كل مكان تتضح أكثر فأكثر مع تقدم الزمن. ففي حين بدأت الظاهرة بأحداث غامضة ونشر نسخ مقتضبة للنصوص، احتوت لاحقا على أحداث مثل سباق الفضاء خلال الحرب الباردة – إرسال رجال فضاء أمريكان وروس – لتصل الذروة في الحاضر الراهن مع تطور علوم مثل الذكاء الاصطناعي، تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحية، وكذلك محاولات احتواء تيارات من وادي السيليكون مثل Space-X لدى إيلان ماسك (Musk) وما بعد الإنسانية لدي راي كورشفيل (Kurzweil). إن الطابع المنفتح والقادر على الاحتواء لسحرية فيدوكله هو منبع قوة المشروع وكذلك منبع ضعفه، حيث أنه يتحرك من قضية تاريخية منسية إلى ظاهرة واسعة تقع في مركز الخيال النيو ليبرالي.

 

"أنطون فيدوكله: حياة أبدية للجميع: ثلاثية أفلام عن الكوزميّة الروسيّة"، - YYZ Artists’ Outlet تورنتو, 19.1.19-16.3.19

 

 

  • 1. ألكسندر بوغدانوف (Bogdanov), الذي كان من مؤسسا مشاركا للحزب البلشفي مع لينين وأجرى تجارب أمصال دم لجعل الجميع يحافظ على الشباب، في افتتاحية مجلة e-flux الكوزمية الروسية، العدد 88، شباط 2018. ورد السياق المتعلق بغرويس في تسجيل e-flux هذا حول الكوزميّة الروسية.
  • 2. ورد في التسجيل الصوتي عن الكوزميّة الروسية.
  • 3. Anastasia Gacheva, “Art as the Overcoming of Death: From Nikolai Fedorov to the Cosmists of the 1920s,” e-flux Journal no. 89, Feb 2018.
  • 4. Boris Groys (ed.), Russian Cosmism, Boston, MA; MIT Press, 2018
  • 5. Julieta Aranda, Brian Kuan Wood, Stephen Squibb, Anton Vidokle (eds.), Art without Death; Conversations on Russian Cosmism, Berlin: Sternberg Press, 2017.
  • 6. Alessandra Franetovich, “Cosmic Thoughts: The Paradigm of Space in Moscow Conceptualism,” e-Flux Journal, #99, April 2019.
  • 7. يذكر هذا النموذج أكثر ما قام به غرويس (عرّاب الكوزميّة، قيّم معرض برلين ومساهم في كثير من الكتب المقتبسة هنا) في كتابه المؤسس "الفن الشمولي للستالينية" وادعى فيه أن الأفنغارد الروسي نافس النظام الستاليني على نفس الخانة حين سعى لخلق فن يغيّر العالم. يُنظر:: Boris Groys, The Total Art of Stalinism: Avant-Garde, Aesthetic Dictatorship, and Beyond, New York: Verso, 1992.
  • 8. بريان كوان وود، يُنظر هنا.